أحمد بن محمد مسكويه الرازي

187

تجارب الأمم

قلت : « تصنع أن تقول : أحتال يا أمير المؤمنين في ذلك فتدفع [ 1 ] عنك أيّاما ثمّ تحمل إليه بعض ما يطلب وتسوّفه الباقي . » قال : « نعم أفعل وأصير إلى ما أشرت به . » قال : فوالله لكأنّى كنت [ 210 ] أغريه بالمنع . فكان إذا عاود مثل ذلك القول عاد إلى مثل ما يكره من الجواب . وكان مع المعتصم رجل مضحك يستخفّ روحه وكان قديم الصحبة له يقال له : إبراهيم الهفتىّ ، فأمر له بمال وتقدّم إلى الفضل بن مروان في إعطائه فلم يعطه الفضل شيئا . فبينا الهفتىّ يوما يتمشّى مع المعتصم في بستان داره التي بنيت له ببغداد ، وقد نقل إليه أنواع من الرياحين والغروس [ 2 ] ، وكان الهفتىّ يصحب المعتصم قبل أن تفضى إليه الخلافة ، فيقول له فيما يداعبه : - « والله لا أفلحت . » وكان الهفتى مربوعا ذا كدنة والمعتصم رجلا معرّقا خفيف اللحم فجعل المعتصم يسبق الهفتىّ في المشي فإذا تقدّمه ولم ير الهفتىّ معه التفت إليه فقال له : - « ما لك لا تمشى ؟ » يستعجله . فلمّا كثر ذلك من أمر المعتصم على الهفتى قال له الهفتىّ مداعبا له : - « أصلحك الله ، كنت أراني أماشى خليفة ولم أكن أراني أماشى فيجا [ 3 ] والله لا أفلحت . » فضحك المعتصم وقال :

--> [ 1 ] . كذا في الأصل ومط . في آ : فتدافع . [ 2 ] . في آ : الغروش ( بالشين المعجمة ) . [ 3 ] . الفيج : رسول السلطان الذي يسعى على رجليه ، والكلمة معرّبة عن « پيك » الفارسية ، التي أصبحت في الإنجليزية والفرنسية : page وبنفس المعنى .